الأنوناكي.. اللغز السومري الأكثر غموضًا


يا «سومر»، يا أيُّها البلد العظيم بين جميع بلدان العالم، أنت مغمور بالنور الثابت الراسخ، الذي ينشر من مطلع الشمس إلى مغربها النواميس الإلهية بين جميع الناس. إن نواميسك المقدسة نواميسٌ ساميةٌ لا يمكن إدراكها، قلبك عميق لا يُسبَر غَوْرُه. المعرفة الصحيحة التي تأتي بها كالسماء لا يمكن أن تُمسَّ، والمَلِك الذي تلده مُتوّج بالتاج الأبدي، والسيد الذي تنجبه يضع التاج على رأسه إلى الأبد. سيدك سيد مبجل، ومَلِكُكَ يجلس مع الإله «آن» على المنصة السماوية. و «الأنوناكي» الآلهة العظام اتخذوا مواطنهم في وسطك، وفي أحراشك الكبيرة يأكلون طعامهم. فيا بيت سومر، عسى أن تكثر حظائرك وتتضاعف أبقارك، وعسى أن تكون حظائر أغنامك وفيرةً، وماشيتك لا عد لها، وعسى أن ترفع معابدك الثابتة أيديها إلى السماء، وعسى أن يُقدّر «الأنوناكي» المصائر في وسطك..

هناك، في القرون الغابرة الموغلة في القِدَم، في الوقت الذي لم يعرف الوقت، بداية كل شيءٍ، ونهاية زمنٍ لم يقرأ الإنسان فيه حرفًا ولا كَتَبَ كلمةً، ولم يشهد من قبله مدنًا خلابةً مُزَّينةً سماؤها بالزقّورات العالية، فيما يعرف الآن بجمهورية العراق، انفرجت الأراضي المنخفضة بين ضلعي الكون الخالدين -دجلة والفرات- عن مخزونٍ ثريٍّ ومثيرٍ جدًا من الأعمال الأدبية والفلسفية والأساطير العبقرية، ومنها نتناول اليوم أساطير الآلهة السبعة -الأنوناكي أو «أولئك الذين جاؤوا من السماء إلى الأرض»- هل كانوا حقًا آلهة «سومر» العظام، أم رجال فضاءٍ جاؤوا إلى الأرض بحثًا عن ذهب؟



سومر مهد الأدب والأساطير
كانت الميسوبوتاميا كما أطلق عليها الإغريق، أو بلاد ما بين النهرين، مستقر السومريين الأخير، بعدما نزحوا من موطنهم الأصلي الذي ظل لغزًا يواجه الباحثين في الشأن السومري حتى الآن. لكن ما نعرفه هو أن السومريين قومٌ ليسوا من الأقوام السامية، ولا هم يتحدثون اللغات السامية. أقاموا واحدةً من أقدم وأضخم حضارات العالم، التي ظل عبقها وأثرها خالدًا في وجدان المواطن العراقي حتى الآن.

ومن المتعارف عليه أن السومريين هم أول من أوجد وطوَّر فن الكتابة والخط، لذا تتميز الحضارة السومرية بالذات بنتاجٍ مهولٍ من الأعمال الأدبية، لكن لمدة تزيد على ألفي عام، انقطع ذكر هاته الحضارة وخفض صيت مجدها الأدبي العريق حتى نهايات القرن التاسع عشر، حيث عثر المنقّبون والباحثون في شؤون الحضارات البابلية والآشورية، ليس فقط على الآلاف بل على عشرات الآلاف من ألواحٍ وبقايا ألواحٍ طينيةٍ في مدينة نفر، دُونت عليها مؤلفاتٌ أدبيةٌ كانت بمثابة بوابةٍ ضخمةٍ لعالمٍ خياليٍّ من الأسرار الدينية والروحانية والفلسفية، ومن خلالها بات من اليسير على الباحثين نسج صورةٍ خياليةٍ مبهمةٍ عن العقل السومري القديم المكتض بأساطير صاغت حقيقتَه، وآلهةٍ شغلته عبادتها، وحياةٍ أبديةٍ باتت هدفًا يرنو إليه بعد الممات.


الأنوناكي
كما سنرى في السطور الأولى من الملحمة السومرية الشهيرة والأسطورة «جلجامش وأكيدو والعالم السفلي»، ومن خلال قراءة وتحليل بعض الأعمال الأخرى مثل «إنليل وننليل» و«الماشية والغلة»، نرى أن الأنوناكي هم آلهةُ سومر العظام الذين يُقِرُّون المصائر ويحكمون العالم السفلي «الكور». إلى الآن، هنالك جملة من الآراء المتباينة حول عددهم، لكنهم في غالب الظن سبعةٌ نذكرهم في الفقرة التالية:

كما تنص العقيدة السومرية، بدأ نشوء الكون من «نمو»، البحر الأول أو ماء العمق أو الإلهة الأولى.


بعد أن أبعدت السماء عن الأرض، وبعد أن فُصلت الأرض عن السماء، وبعد أن عين اسم الإنسان (خلق الإنسان)، وبعد أن أخذ السماء «آن» (إله السماء)، وبعد أن أخذ الأرض «إنليل» (إله الهواء)…


خلقت «نمو» إله السماء «آن» (مذكر)، وإلهة الأرض «كي» (مؤنث)، في هيئة جبلٍ متحدٍ يفصل بينهما ابنهما «إنليل» أو إله الهواء، الذي قام بإقصاء الأب «آن» إلى الأعلى فصار سماءنا، وانفرد الابن بأمه واتحد معها، فكان أبا الآلهة، ورب وملك السماء والأرض، ومن يبارك ملك البلاد، ويُتوّجه، ويُسلمه صولجانه، ويُخرج النهار والزرع، ويُغدق الخير والمال على العباد.

في السماء هو أميرها الأول، وفي الأرض هو عظيمها وكبيرها، وبين الأنوناكي هو ربها العظيم

لإنليل كذلك أخٌ غير شقيق يدعى الإله «إنكي»، سيد الحكمة والمطلع على ما تكنه الأفئدة، وصانع الإنسان من الطين من أجل خدمة الآلهة، كما يقترح المفكر والباحث السومري صاموئيل نوح.

إن النقوش السومرية تشكل واحدةً من أكثر ظواهر العالم غموضًا. تُظهِر النقوش الموغلة في القدم -مثلًا- تصوراتٍ لمواضع الكواكب في نظامنا الشمسي، وأحجامها النسبية، بوضوحٍ مثيرٍ للدهشة. والأكثر غرابةً من ذلك هو أن السومريين نجحوا بالفعل في وصف الطبيعة الدقيقة لكوكبي نبتون وأورانوس، وقدّموا معلوماتٍ عنهما لم يتسنًّ لنا الوصول إليها إلا في السنوات القليلة الماضية! لهذا السبب بالذات، يرى زكريا سيتشن، الباحث في علوم الشرق الأوسط والحضارة السومرية، أن الأنوناكي ليسوا مجرد أسطورةٍ بدائيةٍ ولدت في كنف دجلة والفرات، بل إنهم كائناتٌ فضائيةٌ هبطت على أرضنا من كوكب نيبيرو* وأسست أقدم الحضارات، وهي الفكرة التي مرت عبر المنظمات السرية جميعها تقريبا من الماسونية إلى منظمة ثول.



يقول سيتشين إن الأنوناكي وصلوا إلى الأرض منذ ما يقارب 450,000 سنة، من أجل استخراج الذهب فيما يعرف الآن بقارة إفريقيا. والغريب هو أن الدراسات التي أجرتها المؤسسة الأنجلو-أميركية وجدت دليلًا شاملًا على وجود نشاطٍ لتعدين الذهب في إفريقيا قبل 60,000 سنةٍ على الأقل، أو ربما 100,000 عامٍ حتى!

حين تمرد عمال الذهب الذين ينتمون لفصيلة الأنوناكي الفضائية، لم يكن بيد الأنوناكي حيلةٌ سوى خلق خادمٍ جديدٍ. لذا كان خلق الإنسان الأوليّ -كما يعتقد سيتشن- مزجًا عشوائيًا من الجينات في أنبوبٍ (على غرار فكرة أطفال الأنابيب الحديثة) تم خلطه من قبل إنكي، بحثًا عن الخليط الأنسب لخادم الأنوناكي الأمثل- الإنسان.

يمكن أن تظن أن نظرة سيتشن هي مجرد خيالٍ جامحٍ لمفكرٍ أعياه بحثه في علوم الأساطير، لكن من بين المحاولات العديدة العقيمة للحكماء والمفكرين السومريين، ظلت نظريته تلك، الأكثر شهرةً وانتشارًا، حيث تبدو «للبعض» التفسيرَ الوحيد المنطقيّ لعبقرية السومريين التي -في بعض الأحيان- فاقت عبقرية روبوتاتنا وحواسبنا الآلية!

*كوكب نيبيرو: هو الكوكب الثاني عشر الذي يعتقد سيتشن أنه يتم مداره حول الشمس فيما يعادل3600 سنة، واصطدامه بكوكب تيامات أدى إلى تدمير تيامات مخلفًا ما يعرف اليوم بحزام الكويكبات المتواجد بين كوكب المريخ وكوكب المشتري، كما أن جزءًا صغيرًا منه كوّن بعد مرور زمنٍ بعيدٍ كوكب الأرض، وجزءٌ أصغر من الحطام أصبح القمر.

جديد قسم : حقائق تاريخية

إرسال تعليق