الشعب المختار وأرض الميعاد


الأب رائد أبو ساحلية
كاهن رعية العائلة المقدسة في رام الله

نزور البيوت للتكريس في هذه الايام، ونجلس قليلاً لتبادل اطراف الحديث، وتطرح دائما الاسئلة بكافة انواعها واشكالها وخاصة الدينية منها اذ يستفيد الناس من وجود الكاهن في البيت للتعبير عما يتبادر الى أذهانهم من أسئلة أو يتعرضون لها في جامعاتهم او عملهم. وأستغربت ان الكثير منها يتعلق بالعهد القديم وبخاصة قضية حساسة جداً وخطيرة، وهي موضوع "الشعب المختار وأرض الميعاد" وبما أنه يصعب الاجابة على مثل هذا الموضوع الطويل والحساس في جلسة تكريس سريعة، سأحاول طرحه للنقاش ومعالجته من وجهة نظر كتابية ولاهوتية أرجو أن لا تفهم من ناحية سياسية، لأن الخلط بين الدين والسياسة هو الذي عقد الأمور في هذه الأرض المقدسة منذ آلاف السنين وإلى يومنا هذا. وللإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه، لأنه أعقد وأوسع مما نتصور، يمكن الرجوع إلى الوثائق الكنسية بهذا الخصوص وأهمها الرسالة الرعوية للبطريرك السابق ميشيل صباح التي ترجع الى عام 1993 حول "قراءة الكتاب المقدس في أرض الكتاب المقدس"، والى وثيقة "كايروس فلسطين" او "وقفة حق" التي صدرت عام 2011 والتي تعالج هذا الموضوع.

القضية تتعلق باختيار الله للشعب اليهودي ليخرج منه المسيح المخلص، ويزيد الأمر تعقيداً عندما نتحدث عن اعطاء الله لهذا الشعب أرض الميعاد حيث سيخرج هذا المخلص. وتبدأ القصة منذ بدء الخليقة حيث خلق الله الأرض والسماء وما فيهما، كما خلق الإنسان الذي وقع في الخطيئة بعصيانه، فوعد الله أن يرسل من نسل آدم وحواء من يسحق رأس الحية القديمة أي الشيطان. 

وقد توالت العهود والنبوءات بين الله والشعب اليهودي من نوح فابراهيم فموسى فداؤد فالسيد المسيح وكانت تهدف إلى تحضير قلوب الناس لاستقبال المسيح المخلص: "إن الله، بعدما كلم الآباء قديماً بالأنبياء مرات كثيرة بوجوه كثيرة، كلمنا في آخر الأيام هذه بابن جعله وارثاً لكل شيء وبه أنشأ العالمين. هو شعاع مجده وصورة جوهره، يحفظ كل شيء بقوة كلمته. وبعدما قام بالتطهير من الخطايا، جلس عن يمين ذي الجلال في العلى، فكان أعظم من الملائكة بمقدار ما للإسم الذي ورثه من فضل على أسمائهم" (عبرانيين 1/1-4)

ولكن الشعب اليهودي للأسف لم يتعرف على السيد المسيح "جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه، فقد مكنهم أن يصيروا أبناء الله: فهم الذين لا من دم ولا من رغبة لحم ولا من رغبة رجل، بل من الله ولدوا". (يوحنا 1/11-13). وكانت الأسباب أنهم كانوا ينتظرون مسيحاً مخلصاً سياسياً وقائداً عسكرياً يعتقهم من عبودية الرومان ويؤسس مملكة إسرائيل على أرض الميعاد، بينما جاء المسيح معلماً بسيطاً يبشر بالمحبة ويعلن بشارة التوبة واقتراب ملكوت السموات وهو يعني مملكة روحية لا سياسية. 

ونرى السيد المسيح في إلانجيل يتطرق للموضوع في حكاية الكرامين القتلة: "غرس رب بيت كرماً، فسيجه وحفر فيه معصرة، وبنى برجاً وآجره بعض الكرامين، ثم سافر. فلما حان وقت الثمر، أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذوا ثمره، فأمسك الكرامون عبيده، فضربوا أحدهم وقتلوا غيره ورجموا الآخر. فأرسل عبيداً أكثر عدداً من الأولين ففعلوا بهم مثل ذلك، فأرسل إليهم إبنه آخر الأمر وقال: "سيهابون ابني" فلما رأى الكرامون الإبن، قال بعضهم لبعض: "هوذا الوارث؛ هلم نقتله ونأخذ ميراثه". فأمسكوه وألقوه في خارج الكرم وقتلوه". وعندما سأل يسوع: "فماذا يفعل رب الكرم بأولئك الكرامين عند عودته؟" قالوا له: "يهلك هؤلاء الأشرار شر هلاك، ويؤجر الكرم كرامين آخرين، يؤدون إليه الثمر في وقته". وفي نهاية المثل يصرح المسيح بوضوح قائلاً للأحبار وشيوخ الشعب: "لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله سينزع منكم، ويعطي أمة تجعله يخرج ثمره".

إن تفسير هذا المثل واضح إذ أن صاحب الكرم هو الله، والكرم هو أرض الميعاد، والكرامون هم أحبار اليهود وشيوخ الشعب، والعبيد هم الأنبياء أما الإبن فهو السيد المسيح. فقد استعمل الله معهم العدل والرحمة وكان صبوراً غفوراً رحيماً وأعطاهم فرصاً عديدة للتوبة واعطاء الثمار الجيدة وأرسل لهم الأنبياء واتحفهم بالنبوءات ولكنهم لم يتغيروا، وحتى عندما جاء المسيح لم يقبلوه بل صلبوه وقتلوه وتخلصوا منه بدلاً من قبول الخلاص. فهذا أشعيا النبي يقول: "إن كرم رب الجنود هو آل إسرائيل، واناس يهوذا هم غرس نعيمه: وقد انتظر الإنصاف، فإذا سفك الدماء؛ والعدل فإذا الصراخ". 

إذا طبقنا هذا المثل على أوضاعنا الحالية، فإننا نرى خلطاً واضحاً في المفاهيم الدينية والسياسية واللاهوتية والروحية: فإننا أمام صراع سياسي دامٍ مُحتَدِم الوطيس منذ قرنٍ من الزمان، ولكنه يختفى خلف أيديولوجية ولاهوت وتاريخ: الأيديولوجية هي الصهيويية التي نشأت في مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897 وتطالب بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بحجة أنها "أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض"؛ أما اللاهوت فيقوم على الادعاء بأن الله منح أرض الميعاد هذه للشعب اليهودي من زمان إبراهيم وموسى وأن عودتهم إليها تحقيق للنبوءات وتسريع لمجيء المسيح المنتظر؛ أما التاريخ فهو القضية اليهودية في أوروبا والعداء اللاسامي لليهود عبر التاريخ الذي وصل ذروته في الحرب العالمية الثانية مع هتلر والنازية ومذابح اليهود المعروفة بالهلوكوست وما تبع ذلك من هجرة إلى أرض فلسطين بتشجيع من دولة الإنتداب البريطانية التي أعطت وعد بلفور. إن كل هذا مجتمعاً أدى إلى النكبة والنكسة والهجرة والإنتفاضة الفلسطينية، حيث دفعنا وندفع ثمناً باهظاً عن ذنبٍ لم نرتكبه أبداً وكأننا كبش الفداء وحملان المحرقة التي تكفر عن خطايا وذنوب وأخطاء الآخرين. 

ولكي نبقى في الصميم نصل إلى النتائج التالية:

- هناك خلط شنيع بين الدين واللاهوت من جهة والسياسة والدولة من جهة أخرى، فإن الأخطاء التي ترتكب والدماء التي تسفك وحتى الاحتلال المفروض على الأرض والإنسان، هي نتائج بديهية لسياسة تقوم على منطق القوة وليس على قوة المنطق، على قوة السلاح وليس على قوة الحقيقة، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التخفي وراء الكتب المقدسة أو الاختباء وراء الله سبحانه وتعالى لفرض وقائع على الأرض بحجة لاهوتية وكأن الكتاب المقدس أو حتى الله ذاته في خدمة مصالح دولة أو شعب على حساب شعب آخر.

- إن الأرض كلها هي أرض الميعاد وكل الناس فيها أبناء الله الأحباء وعباده المؤمنين، والله يحاسب كل امرء على قدر أعماله ولا يعمل لحسابِ أحدٍ ضدَ غيره، فلا يمكن احتكاره لصف "فلان ضد علان" أو "لزيد ضد عبيد"، لأنه أبٌ مُحِبٌ لجميع البشر وفوقهم جميعاً، إن أكرمهم عند الله أتقاهم وخيرهم من عمل الخير والصلاح وأقام العدل والانصاف وأعطى الثمار في أوانه. 

- إن ملكوت الله ليس ملكوتاً مادياً أرضياً سياسياً بل سماوياً روحياً، حيث يكون الله كلاً للكل ورباً على جميع البشر يملك على حياتهم ويقيم في قلوبهم. لذلك لا يمكن حصر ملكوته في شعبٍ معين أو أرضٍ معينة ولا يمكن لدولةٍ احتكار مملكة الله ولا يمكن لانسانٍ الادعاء بأنه ظلُ اللهِ على الأرض. فعهدُ الحكومات الثيوقراطية قد ولى من غير رجعة.

- لا شك بأنه كان للشعب اليهودي رسالة عالمية كانت تقوم على التحضير لمجيء السيد المسيح الموعود مخلصاً للعالمين ولكن عوضاً عن احتضانه واستقباله عندما تم "ملء الزمان" فقد رفضوه، وبدلاً من الانفتاح على الأمم الأخرى فقد انغلقوا في "عقلية الجيتو" بين الشعوب وفي كافة بلدان الشتات حيث كانوا، وما زالوا للأسف يحملون نفس هذه العقلية التي تقوم على الانعزال واستعلاء- وجدار الفصل خير برهان، ويحلمون بتأسيس مملكة الله على الأرض وينتظرون مجيء المسيح المخلص، ويعتبرون عودتهم إلى أرض فلسطين بداية لتحقيق كل هذه المواعيد، مما عقد الأمور وأجج الصراع وخلط الأوراق وأراق الدماء وما زال الأمر مستمراً، والله أعلم إلى أين سنصل في نهاية المطاف... ويبدو أن في الأمر لغزاً فلله في خلقه شؤون، ولا أحد يعلم مخططاته فهو "سيد التاريخ" فطرقه غير طرقنا وأفكاره غير أفكارنا... والله أعلم؟‍
TAG

عن الكاتب :

من هواياتي سماع الموسيقى والمطالعة وكتابة الشعر

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

هذة المدونة هي للاطلاع على الكثير من الامور الغائبة على القارئ العربي حيث اعتمدت على كيفية ايصال المعلومة الى اكبر عدد من المشتركين العرب لذا نتمنى ان تكون تعليقاتكم في سياق الاعراف والعادات التي يتمتع بها المواطن العربي
شكرا لكم
عمار السامر


اشترك في صفحتنا عبر الفيسبوك

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *