فرضية المسجل الحجري وظاهرة السكنى المقيمة

هل يحتفظ المكان الذي نسكنه أو نمارس فيه نشاطاتنا اليومية بذكرياته الخاصة مثل أي كائن حي ؟ إن كان ذلك صحيحاً فربما يفسر العديد من الظواهر التي مازال البعض يعتقد أنها غير قابلة للتفسير كالمشاهدات الشبحية أو سماع أصوات غامضة أو شم روائح يصعب تحديد مصدرها أو أحاسيس أخرى يستشعرها بعض الناس وذلك لدى زيارتهم للمكان الذي يوصف بأنه "مسكون"، وتحديداً المكان الذي ابتلي بنوع محدد من السكنى وهي أحداث تحصل بتكرار وتتميز بأنها غير تقاعلية مع الزوار وهي دلالة على نوع من التسكين يطلق عليه اسم السكنى المقيمة Residual Haunting.

كانت فكرة "ذاكرة المكان " المحور الأساسي لبحث قامت به (باميلا هيث ) وهي باحثة أسترالية في الباراسيكولوجي وجرى نشره في أحد أعداد المجلة الأسترالية للباراسيكولوجي في عام 2005 وحمل البحث عنوان : " نظرية جديدة في ذاكرة المكان" ، ولم تكن فكرة جديدة فمنذ حوالي اكثر من قرن دار حديث عن إمكانية تفاعل البيئة أو الوسط المحيط ودوره في تخزين أو تسجيل معلومات صنعها الأحياء في زمن سابق تكون عبارة عن تفاصيل أو لمحات من ذكرياتهم فيه. 

وقد تغير مفهوم "ذاكرة المكان" منذ استخدمه أول مرة من قبل الباحثين في الماورائيات آخذين بعين الاعتبار تنوع طرق عمليات التسجيل و إسترجاع ذاكرة من قبل المكان حيث يقترحون أكثر من طريقة يمكن من خلالها تسجيل المعلومات أو وضع بصمة على البيئة المحيطة ولكن اشترطوا لذلك تدخل عامل النشاط النفساني الغير عادي لدى بعض الأفراد القاطنين في المكان أو الأجواء والمواقف المشحونة بمستوى عال من العواطف والإجهاد النفسي مثل الحزن الشديد أو ظروف المعاناة والعذاب سواء أكانت ناجمة عن مرض أو حادثة أو تعذيب متعمد ، أو حتى في حالات الفرح الشديد والإلتصاق بمكان محبب.

نبذة تاريخية
منذ زمن ليس ببعيد زعمت الباحثة النفسية إيليانور ميلدريد سيدغويك (1845-1936) أن أجساماً كقطع الأثاث وحجر البناء يمكن لها أن تمتص "طاقة نفسانية" أو تتلقى إنطباعات يمكن أن تنقل إلى الناس المجاورين .

- وكذلك كتب الباحث (ويليام فليتشير باريت) (1844-1925): " في بعض حالات السكنى Hautning والتجسدات Apparitions يوجد نوع ما من البصمة المحلية على البنية المادية أو الأماكن خلفتها كأثر بعض الأحداث القديمة التي وقعت لأشخاص محددين وذلك حينما كانوا على وجه الأرض أو عاشوا فيها وكان لهم صلة وثيقة بها على نحو خاص ، فيصبح صدى أو شبح تلك الأحداث قابل للإدراك من قبل هؤلاء الأحياء ".

- ويوافق (ويليام . جي . رول ) (1926-2012) الباحث في علوم ما وراء النفس Parapsychologist على نظرية المسجل الحجري ويدعي أن عقل الشخص بإمكانه صنع تجسد أو صورة شبحية ناجمة عن "آثار نفسانية" Psychic Traces خلفها الماضي. ووفقاً لـ (رول) تمتلك جميع الأجسام حقول طاقة نفسانية PSI Fields حولها وهي نواقل لمعلومات ومشاعر .

فرضية المسجل الحجري Stone Tape
ظهرت فرضية المسجل الحجري في السبعينيات من القرن الماضي كتفسير محتمل للظواهر التي تحدث في الأماكن المسكونة ومنها المشاهدات الشبحية فيه، وفحواها أن بمقدور الأشياء الجامدة او الغير حية إمتصاص جزء من طاقة الاحياء وأن هذا يحدث بلحظات معينة وخاصة كلحظات التوتر العالية مثل ارتكاب جرائم القتل أو أثناء لحظات المعاناة والإجهاد الشديدة في حياة الشخص فتتحرر تلك الطاقة المختزنة وينتشر هذا النشاط المشحون في أرجاء المكان الذي يسجله بدوره وبالتالي وفقاً لهذه الفرضية فان الأشباح ليست أرواحاً وإنما مجرد تسجيلات غير تفاعلية يشبه طريقة عمل مسجل شريط أو قرص الفيديو المدمج ، وفي أوقات معينة يجري إعادة تشغيل هذه التسجيلات المخزنة فإذا توفر المستقبل المناسب من الأشخاص الذين يوصفون بالشفافية العالية فإن الرؤى الشبحية والعلامات الأخرى للمكان المسكون ستكون "أثراً شبحياً " لما حصل في الماضي.

ولعدة سنوات طرح محققو الماورائيات نظرية المسجل الحجري لتفسير لبعض أتواع المشاهدات مثل الظلال السوداء المتحركة على الحائط في الممرات مثلاً وعلى مقربة من الأبواب أو الشكل المتسلق من جوار الدرج أو السلم ، وجرى تشبيه تسجيل الأحداث او العواطف في أحجار البناء وجدرانه وسقفه أو حتى في الأرض المحيطة ببرنامج تلفزيوني أثار إهتمامك فرغبت في تسجيله على شريط أو قرص مدمج DVD ، وعندما يعاد تشغيل الشريط أو القرص ترى الأحداث التي وقعت في الماضي مسجلة بهيئة شبح مثلاً. 


السكنى المقيمة Residual Haunting

في مصطلحات صائدي الأشباح تعرف السكنى المقيمة Residual Haunting أو الأشباح المقيمة Restligeists (كلمة ألمانية مكونة من جزئين هما Restlich وتعني المقيم ، و Geist وتعني الشبح ) على أنها تسجيلات معادة لظواهر بصرية وسمعية وشمية حسية أخرى يكون لها صلة بحادثة مأساوية أو تحولية في الحياة أو حادثة روتينية لشخص أو مكان ويمكن تشبيهها بصدى أو إعادة عرض لشريط فيديو لأحداث الماضي ، وخلافاً لسكنى الأرواح الذكية والتفاعلية Intelligent Haunting فإن الكيان المجهول في هذه الظاهرة غير مدرك لعالم الأحياء ولا يتفاعل أو يستجيب معه.

وكان (توماس تشارلرز ليبريدج) أول من نشر فرضية السكنى المقيمة أو التسكين المقيم في كتبه مثل كتاب Ghost and Ghoul أي " الشبح والغول " في عام 1961 .



وكتب (سايريل سميث)و (سايمون بست) في كتابهما Electromagnetic Man أي "الإنسان الكهرومغناطيسي " في عام 1989 : " عند الموت يصبح حقل الكيان المعرفي المكتسب للشخص مفصولاً عن جسده الذي يكون على وشك الفناء ، فإذا سنحت لهذا الكيان فرصة للتواجد في العالم المحسوس المادي... فإن هناك إحتمال بأن تصبح المعلومات مكتوبة في الماء المحيط كما يمكن أن تحفظ في حجر البناء أو في قطع الحجر التي يتكون منها، وإذا كان إشعاع الموت فعلاً عبارة عن ظاهرة كهرومغناطيسية فإنها ستكون مصدر تلك الذكريات في مواقع الأحداث التي تحصل فيها .. وقد تكون هذه المعلومات منتقلة في الفضاء الثلاثي الأبعاد بطبيعتها وهذا يفسر حضورها الفعلي في نقطة من أبعاد الزمان والمكان مما قد يعني رؤية الشخص لـ "شبح " ".


بعض التفسيرات

تأثيرات ثقافية ومعتقدية
تحدد ثقافة أي بلد كيفية إدراك الفرد لمثل هذه القصص ، فبالنسبة لحضارة (بيانغاي) يسود إعتقاد بإن إمتلاك صور الأموات له القدرة على جذب قوى خبيثة لأنها تعيد المرء إلى الماضي.

مستويات الدوبامين 
هناك دلائل تشير إلى أن المستويات العالية من الدوبامين تساهم في تحسين نسبة الإشارة إلى الضجيج أو القدرة على إرسال الإشارة إلى الدماغ وتخفيض مستويات الضجيج التي لا معنى لها ، وهناك تجربة أجريت لإختبار كيفية تأثير مستويات مختلفة من الدوبامين على إدراك المؤمنين بالماررائيات والمتشككين فيها أيضاً.

وفي التجربة جرى توزيع المشتركين إلى مجموعتين هما المؤمنين والمتشككين ، وفي كل مجموعة منهما تلقى نصف عدد المشتركين جرعات من "لافودوبا"وهي تزيد من مستويات الدوبامين بينما تلقى النصف الآخر من كل مجموعة جرعات بلاسيبو (دواء مزيف لا تأثير له ، من أجل مقارنة التأثيرات)، وكان مطلوب من كل مشترك أن يستجيب إلى الصوت المسموع ليحدد فيما إذا كان هناك أية معان أو إشارات فيه. 

وفي النتيجة اتضج أن مستوى الدوبامين له تأثير على كل من المؤمنين أو المتشككين في الماورائيات ، فكان لمستويات من متوسطة إلى عالية من جرعات الدوبامين صلة بإنخفاض الأداء الذهني مما يعني عرضة أكبر للهواجس ، في حين كان لمستويات منخفضة إلى متوسطة صلة بتحسن الأداء الذهني وبالتالي تفسيرات منطقية عن الأصوات المسموعة. 


TAG

عن الكاتب :

من هواياتي سماع الموسيقى والمطالعة وكتابة الشعر

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

هذة المدونة هي للاطلاع على الكثير من الامور الغائبة على القارئ العربي حيث اعتمدت على كيفية ايصال المعلومة الى اكبر عدد من المشتركين العرب لذا نتمنى ان تكون تعليقاتكم في سياق الاعراف والعادات التي يتمتع بها المواطن العربي
شكرا لكم
عمار السامر


اشترك في صفحتنا عبر الفيسبوك

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *