من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر ... الشيوعية

عندما طرح السيد الشهيد محمد باقرالصدر كتاب( فلسفتنا) في سنة 1959 ميلادية ليكون ردا وبحثا ونقدا ..... علميا وفلسفيا وفكريا لاطروحة الاشتراكية الشيوعية الجدلية الماركسية في العراق وفي العالم انتاب الكثير من التيارات الفكرية داخل العراق وخارجه الذهول والغرابة لهذه الظاهرةالفلسفية والفكرية للامام السيدالصدر الغير متوقعة للواقع العراقي بشكل خاص ، وللواقع العربي والاسلامي بشكل عام وكان ويبدو انه لم يزل سرّ الغرابة والذهول يتمحور حول النقاط الاتية :
اولا: في الخمسينات من القرن المنصرم كان المدّ الاشتراكي الشيوعي وخصوصا في العراق وكذا المدّ الاشتراكي القومي فيما بعد في العالم العربي والاسلامي في قمة اوجهما وطغيان جماهيريتهما الثورية المتهسترة ، مما يضع اي محاولة بحث او نقد او اي طرح مختلف عن هذه التوجهات الاشتراكية المادية مخاطرة لا يمكن ان يجرأ عليها انسان يريد لحياته الاستمرار ، والاستقرار في الحركة ، الا اذا كان هذا الانسان ممن يحمل هموم مشروع جماهير وامة كاملة وليس مجرد شخصية فردية تحاول صد طغيان بحار الاشتراكية الهائجة !!.
وهكذا كان بالفعل الامام الصدر ، عندما طرح فكره وفلسفته الاسلامية وشخصيته الانسانية الفردية ، لتتحول الى مشروع امة ، تحاول النهوض وصد الهجمة العاتية للاشتراكية الشيوعية في العراق على حساب وجودها الشخصي والفردي والعائلي والانساني !.
ثانيا: عندما دخلت الاشتراكية المادية الشيوعية للعراق في ثلاثينان القرن العشرين المنصرم لتتغول بابشع صورها في الخمسينات كان من اهم الاهداف التي رفعتها هذه الاطروحة المادية هوالقضاء على كل مايمت بصلة للدين وللمعنوية وللاخلاق الاسلامية ، وكان من ضمن بروبجندات المدّ الشيوعي الاشتراكي بهذا الصدد هو وسم الوجود الديني برجاله وبفكره وبتصوراته وبسلوكه ..... بانه مجرد حفنة من الخرافات والاساطير التي لاتؤمن بعلم ولاتدرك فلسفة ولاتتعامل بمنطق مع الحياة والتطورولهذا كان الاشتراكيون الشيوعيون العراقيون ينظرّون الى ان سبب تخلف الشعب العراقي وجموده هو الدين والاسلام ورجال الدين وحوزاتهم الدينية وغير ذالك وما من نهضة وتطوروتقدم للعراق (حسب الطرح الشيوعي العراقي) سيرى النور الا بالقضاء على كل الظاهرة الدينية واستئصال كل وجود لها متحرك داخل المجتمع وخارجه !!.
بهذه اللحظة بالذات من تاريخ العراق الذي كان يغلي تمرداوثورة وتهستراعلى كل ماهو ديني واسلامي واخلاقي ...الخ طبع السيد الصدر كتاب (( فلسفتنا )) لينزل للاسواق وهو يحمل عنوان انه : (( دراسة موضوعية في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيارات الفلسفية وخاصة الفلسفة الاسلامية والمادية الديالكتيكية الماركسية )) !!.
عندها اسقط بيد الاشتراكيين الشيوعيين العراقيين كلهم لتلقف عصى السيد الصدر الاسلامية وفكره وفلسفته كل مايأفكه المدّ الاشتراكي الشيوعي العراقي ضد الدين ورجاله والاسلام والمعنوية في هذا الوطن !!.
اتهموا الدين والاسلام بانه افكاراسطورية فارغة من كل فلسفة منطقية واذا برجل الدين الشاب المنحدر من البيئة الدينية الحوزوية التقليدية وصاحب العقد الثاني من عمره السيد الصدر يطرح منطقا وفلسفة تهدم كل بنيانهم الفلسفي من القواعد !!.
وزعموا بان الاسلام والدين لايؤمن بالعلم ولا بالتطور واذا بالسيد الصدر صاحب العمامة الدينية والمنتمي بكل وجوده لهذا الاسلام والدين ينظرّفي اطروحته الفلسفية الاسلامية لفهم العلم والتطور ، ودعم هذا العلم وتقديسه ، بل وادراكه بصيغ علمية وليس بصيغ ايدلوجية مسيسةكالذي حاولته الاشتراكيةالمادية الشيوعية من استغلال مسمى العلم بينما هي لم تطرح في فلسفتها اي مسكة علم بامكانها ان تصمد امام مقررات العلم وسننه وقوانينه كما شرحه للعالم السيد الصدر في كتابه فلسفتنا !!.
وكذاعندما اعلنت الاشتراكية الشيوعية العراقية من ان الدين ورجاله ماهوالا افيون مغيب للعقل ، وللضمير البشري عن المطالبة بحقوقه الاجتماعية والانسانية ويجب التخلص منه لتتحرر الثورية الانسانية من اغلالها الراسمالية ، التي صنعت الدين ليكون سلاحا مخادعا لها في حربها لاستغلال الطبقة العاملة واستعباد البشر !!.
عندها وفي لحظة هذا الاعلان الاشتراكي الشيوعي بالضبط برز لهم رجل الاسلام والدين الاول السيد محمد باقر الصدر في ساحة الثورة ، والنضال للمطالبة بحقوق المظلومين والفقراء والمنهوبين والمستعبدين....الخ ليقلب الطاولة على رؤوس كل الاشتراكيين الشيوعيين وافتراءاتهم ، واكاذيبهم على الاسلام والدين وقادته وليعلن هو من جانبه وبشكل ((نظري وعملي)) ان الاسلام والدين هوصاحب الثورة ضد الظالمين وان قادته ورجاله هم الصف الاول من المطالبين والمنادين والثائرين في طريق الحق والعدل والحرية !!.
وبهذا كان الصدرظاهرة غريبة فعلاامام المدّالفكري والجماهيري الشيوعي و غير الشيوعي في العراق والعالم انذاك !!.
ثالثا : كانت ظاهرة الفكر الفلسفي للسيد محمد باقر الصدر كالصاعقة التي انفجرت في وجه المدّ الاشتراكي الشيوعي المستورد من الكتلة الشرقية السوفيتية انذاك في العراق عندما اعلنت هذه الصاعقة عن ولادة قطرة مطر اسلامية او عن ولادة امة تحمل مشروعا وفلسفة ورؤية مغايرة تماما للرؤية والفلسفة والمشروع الاشتراكي الشيوعي في العراق !!.
قبل السيدالصدر و فكره وفلسفته كان المشروع الاشتراكي هوالمهيمن على الشارع السياسي والفكري العراقي والعربي والاسلامي ...... وحتى العالمي وكانت الامة المقهورة الضعيفة المسلمة داخل العراق ، وخارجه في حيرة وتيه تحت وطأة هذا المدّ الفكري الاشتراكي المادي المهيمن تماما اعلاميا ونفسيا وروحيا .... وكونيا على عقل الانسان العراقي ومنافذ تفكيره وكل تصوراته للحياة والمجتمع والعالم !.
أما بعد ان طرح السيد الصدر فلسفته ليناقش من خلالها كل مفاصل واسس الفكر الاشتراكي الشيوعي وليبين في الحلقة الثانية في كتابه (( اقتصادنا )) كل عورات الاقتصاد الاشتراكي المخادع ، عندها تكونت نواة الامة العراقية الثورية ، وتنفست الصعداء بثقة على اساس انها امة تحمل فلسفة وفكرا ومشروعا يفهم العالم ويدرك الحياة وينظّرللمستقبل على نوروهداية عندئذ ولدت نواة الامة المسلمةداخل العراق وعندها ولد التيار الاسلامي الذي بدأ يتشكل طفلا صغيرا ينمو بصعوبة امام هذا الوحش الكبير المسمى بالاشتراكية الشيوعية !!.
وهنا يمكننا القول ان قبل طرح الامام الفيلسوف الصدر رض ، لفلسفته الاسلامية كان قوس الاشتراكية الشيوعية في العراق في تصاعد صاروخي مستمر ، اما بعد طرح السيد الصدر لفلسفته الاسلامية ، واردافها باقتصاده الاسلامي ، فأن عقارب ساعة الاشتراكية الشيوعية في داخل العراق بدأ عده التنازلي الفكري ، والسياسي بالفعل ، لينحصر شيئا فشيئا ولتحل محله الاطروحات الاشتراكية القومية في نهاية المطاف كتعويض فكري لابد منه لانحصار المد الشيوعي !!.
والحقيقة ان ما دفع بالفكر الاسلامي الذي طرحه السيد الصدر في فلسفته للنهوض على انقاض هبوط بنيان الفكر الاشتراكي داخل العراق ، هو ان فكر الامام الصدر كان فكرا عراقيا ذاتيا صنعته محركات الفكر العراقي الصدري ومن خلال انتاجه محلّيابحيث ان الامام الصدركان حاضرا فعليّافي طرح هذا الفكروالفلسفة الاسلامية ومتواجدا فكريا ، ليصدّ اي مستجدات او اشكالات تصدر ضد هذه الفلسفة والفكر الاسلامي العراقي الاصيل !!.
بينما كانت الاشتراكية الشيوعية ، وفكرها في العراق مستوردا من خارج العراق وجلّ المنتمين لفكرها من المقلدين ، والمنقادين بتبعية مطلقة لفكر القادة التاريخيين لهذا الفكر او قادة يقبعون في الاتحاد السوفيتي للتنظير لهذا الفكر وليس في العراق من هوقائداشتراكي شيوعي يرقى الى مستوى التنظيروالتفكيرالفلسفي الاشتراكي الشيوعي المبدع، والقادر على تجديد هذا الفكر وصدّ ما يطرأ عليه من مضادات فكرية ومناقضات فلسفيةولهذا لم نرى اي من الاشتراكيين الشيوعيين داخل العراق فضلا عن خارجه من تصدى لاطروحات الصدر الفلسفية بالمناقشة او على الاقل بالرد عليها على سبيل الدفاع عن الاشتراكية الشيوعية ، وما ذالك طبعا الا لافتقار الفكر الاشتراكي الشيوعي داخل العراق الى قيادات فكرية تتمكن اوهي على الاقل مهيئة فكريا وعلميا ، لاستيعاب الفكر ومناقشته والدفاع عنه بوعي وفلسفة وفكرية ولهذا ظلت فلسفة الصدر رض متصدرة ، للفكر العراقي وفي نمو مضطرد امام الفكر الاشتراكي الشيوعي العاجز عن الدفاع عن نفسه ، من خلال المنتمين له او الهاتفين عن جهل بشعاراته او ترميم ماهدمه الصدر من بنيانه المادي المخادع !!.
رابعا : كان السيد الصدر محمد باقر حقيقةً ، وما طرحه من فلسفة مناهضة للفكر الاشتراكي الشيوعي في العراق وفي زمن لاريب انه كان برمته للفكر الاشتراكي الشيوعي ، شيئ لايمكن قراءته بالمألوف من القراءات الاجتماعية التي تحاول فهم التكوين الاول لنواة الظواهر الاجتماعية ، والسياسية الكبرى داخل اي مجتمع !!.
فنحن هنا أمام شاب في النصف من العقد العشرين من عمره وينحدر تربويا لبيئة اجتماعية ، دينية حوزوية ، تقليدية وتنكب على دراسة العلوم الدينية بصورة تامة فحسب باعتبار ان مجال التفوق فيها والابداع هو الجانب الديني من الحياة وتبتعد تقليديا عن الاهتمام بالفلسفات والعلوم الاجتماعية او السياسية او العلمية ، واذا بنا نفاجأ بطرح فلسفي لهذا الشاب الحوزوي يناقش اكبر اطروحة بشرية فلسفية تحكم نصف العالم سياسيا ، وفكريا انذاك باسم ، وتحت عنوان هذه الفلسفة الاشتراكية الشيوعية العالمية !!.
طبعا السيد الصدر لم يكن يملك انذاك لاسلطة تسنده ولا جمهور شعبي عارم يرفع من منزلته ، ولا حتى مدّرس متخصص بالفلسفة يلهمه بعض مفاتيح الفكر الفلسفي الحديث ليعينه على كيفية فهمه بغض النظر عن وعيه ونقده والكتابه حوله بل كان لايملك السيد الصدر في حقيقة الامر سوى فكره وقلمه وحركته الشخصية التي تنم عن اقدام وشجاعة ادبية وفكرية لم تكن تتوفر في كل المحيطين به !!.
ليس من الشيئ اليسير طبعا ان تكون فكرة وفلسفة كالفلسفة الاشتراكية الشيوعية التي استعمرت في الخمسينات تقريبا التسعين بالمئة من العقل العراقي الجماهيري والثقافي والسياسي ان تدع مجالا لاي مفكر كان ان تكون له فسحة التفكير خارج سياقاتها الثقافية والاجتماعية والجماهيرية فضلا عن التفكير بوعيها اولا ثم نقدها ثانيا ثم وضع فلسفة اعلى منها منزلة ثالثا ، وهذا اليس سهلا ، ولا طبيعيا وغير منطقيا ... هو ما قام به السيد الصدر وهو شاب في العشرينات من عمره الشريف !!.
نعم ليس من السهل على شاب حوزوي في مقتبل العمران يتصدى لفكر الاشتراكية الشيوعية بهكذاجرأة ادبية تنم ان دلت على شيئ فانما تدل على اننا امام لغز محير في الفكر وفي التطلع وفي الرؤية للسيد الصدر فبالوجود العراقي كان هناك اكابر مراجع الدين والفقه والاصول والاسلام ممن يرون هذا التمدد الاشتراكي الشيوعي الماركس وهويبتلع بشراهة كل افراد المجتمع العراقي من خلال فكره وفلسفته وما يطرحه باسم التقدم والتطور والعلم والحتمية ....لكن كان جلّ المراجع الاسلاميين والفقهاء والاصوليين يقفون وقفة ذهول وتحير في كيفية معالجة هذا التمدد الفكري المادي الاشتراكي الالحادي الخطير في المجتمع العراقي ، والوافد من عبر الحدود ليكتسح من امامه كل من يحاول او يفكر ان يقف بطريقه وبوحشية منقطعة النظير !!.
عند هذا المفصل من تاريخ العراق الحديث وقف السيد الصدر متصديا بفكره وحده لهذا الفكروبكل جمهوره المتهسترسياسيا ليقول كلمته الفلسفية بلا خشية وبلا رعب او تردد ولوللحظة في مناقشة فكر اكل نصف العالم وهو في الطريق لاكل النصف الاخر !!.
هل كان يعتقد الامام الصدر رحمه الله تعالى ان في فكره وما سيطرحه من فلسفة اسلامية تحاول الانتصارعلى الفكرالماركسي الشيوعي الاشتراكي المادي من القوّة ما سيقف امام هذا الاخطبوط الشيوعي الاشتراكي العالمي الكبير ؟.
الجواب بالقطع نعم ، ولو لم يكن الامام الصدر على يقين بان فكره سينتصر على الفكر الاشتراكي الشيوعي لما اقدم السيد الصدر على الاقدام على مشروع صناعة فلسفة اسلامية تهدي النور لامة قابعة في ظلام دامس !!.
وهل كان يشك ولو للحظة الامام الصدر انه يحمل مسؤولية اعادة انتاج وبناء امة هرستها عجلات دبابات الشيوعية الاشتراكية في العراق ليطرح لها هووليس غيره فلسفة وفكرا ينتشلها من ظلام ومادية هذه الاشتراكية المخادعة ؟.
الجواب بالطبع كلاّ لم يشك الصدرولوللحظة انه الوحيدالذي انتخبته الارادة الالهية ليتحمل مسؤولية هذه الامة في بناءها فكريا على فلسفة اسلامية اصيلة تعيدها من الداخل لروحهاووعيها الاسلامي الاصيل من جهة وانه الوحيد الذي ينبغي ان يفكر على اساس انه ملك لمشروع امة ، لا يفكر بنفسه كشخص ابدا ، واذا تطلب الامر التضحية في سبيل استمرار وانتعاش حياة هذه الامة ، ونهوضها فيجب ان لايتردد الصدر في التضحية بشخصه كي تعيش الامة من بعده بدمه الطاهر !!.
وهذا الجواب هو بالفعل مايفسر لنا لماذا كان الشهيد الصدر حريصا في اخر ايامه ان يتوج حياته الشريفة بان يكون شهيدا بعدما كان اومرّبمرحلة كونه رقيبا ومفكرا وفيلسوفا واستاذا ومدرسا ومعلما ومذكرا لهذه الامة العراقية !!.
ان السيد الصدر وتناول فكره الفلسفي بالخصوص اذا اعيد دراسته حسب ظروفه الزمانية ، والمكانية الماضية سيتضح لنا بوضوح : اننا امام معجزة او لغز بشري محير بالفعل بحاجة الى اعادة دراسته فكرية لنقيم الصدر بصورته التي تاخذ حقها الطبيعي من التقييم !!.
اما ان اردنا ان نتناول الصدر اليوم ومن خلال فكره الفلسفي ايضا فيكفينا ان نعلم ان امتنا العراقية قد اكتفت تماما بفلسفة الصدر منذ ذالك الزمان وحتى اليوم ونحن لم نزل ننظرلكتاب فلسفتنا انه جاء ليبقى بدليل ان لافلسفةطرحت بعد فلسفة الصدر بامكانها ان تضيف او تنتقد او تسموا على ماطرحه الصدر من فلسفته ،وهذا يكفي على ان الصدر فلسفيا لم يزل بحاجة الى دراسات اوسع في هذا المضمار !!.
TAG

عن الكاتب :

من هواياتي سماع الموسيقى والمطالعة وكتابة الشعر

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

هذة المدونة هي للاطلاع على الكثير من الامور الغائبة على القارئ العربي حيث اعتمدت على كيفية ايصال المعلومة الى اكبر عدد من المشتركين العرب لذا نتمنى ان تكون تعليقاتكم في سياق الاعراف والعادات التي يتمتع بها المواطن العربي
شكرا لكم
عمار السامر


اشترك في صفحتنا عبر الفيسبوك

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *